الحديبية.. عودة الروح الى المكان والمكانة ( 3/ 6 )

لم تكن الضاحية الغربية للعاصمة المقدسة بعيدة عن ذهن أصحاب القرار، ومخططات التنمية والتطوير. فهذه الضاحية التي تشمل كامل مساحة منطقة الشميسي تقع في قلب أهم منافذ العاصمة المقدسة وتتمدد بين مسالك أهم طريقين يؤديان إلى العاصمة الاقتصادية للمملكة، مدينة جدة، التي كانت تشهد بحسب مصادر رسمية وأهلية صراعات قديمة لوضع اليد على أراضيها الواسعة.

منظر عام للحديبية في وضعها الراهن

في 17 أغسطس 2009 حسم الأمر بقرار مجلس الوزراء القاضي بتأسيس شركة (البلد الأمين للتنمية والتطوير العمراني)، لتوفير حلول استراتيجية لمواجهة الطلب على الوحدات السكنية في مدينة مكة المكرمة، ومنحها ملكية أرض تبلغ مساحتها 60 مليون متر مربع لتكون رأسمال للشركة التي تمتلكها أمانة العاصمة المقدسة لتكون ذراعا استثمارية لها من خلال مشاركة القطاع الخاص وتشجيعه وتسهيل مهمته لإنشاء مشاريع التطوير في مناطق ملكيتها وتطوير مخططاتها العمرانية والاقتصادية والتعليمية والثقافية والترفيهية.

وبحسب وثيقة القواعد الإجرائية لخطوات تأسيس شركة البلد الأمين، وفق نسخة جدول أعمال الاجتماع الأول لمجلس إدارة الشركة برئاسة الدكتور أسامة البار في مكة المكرمة بتاريخ 23 يناير 2013، "تحدد أمانة العاصمة المقدسة الأراضي التي تعود ملكيتها إليها (في المنطقة المعتمدة كضاحية في مدينة مكة المكرمة الغربية (البوابة)، وتعد هذه الأراضي أسهما عينية تخصصها أمانة العاصمة المقدسة لتأسيس الشركة وتمثل قيمتها رأسمال الشركة الوارد في نظامها الأساسي".

وجاء في الوثيقة "تملك شركة البلد الأمين بموجب صك شرعي أرض البوابة بالضاحية الغربية بمكة المكرمة بمساحة إجمالية تقدر بـ 60 مليون متر مربع تمثل رأسمال الشركة، وقدرت قيمتها بـ 1.2 مليار ريال سعودي".
وهي من أصل 86 مليون متر مربع من مساحة المنطقة، حيث تخضع ملكية الأراضي الباقية لآخرين بمساحة إجمالية تقدر بـ 26 مليون متر مربع.

بينما تمتلك وزارة المالية أرضا بمساحة تقدر 809.393 مترا مربعا شمال منطقة الحديبية والمعروفة باسم أرض (المقرح)، وكذلك قيمة الجزء المتداخل معها بعد تقويمها في حينه لمصلحة وزارة المالية، لتكون كحصة عينية لها في رأسمال الشركة المطورة لمنطقة البوابة.

الفيصل والحديبية

أول صورة لمخطط البوابة في الحديبية (الشميسي)


وكان أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل يحمل تصورا خاصا لها ضمن مشروعه الكبير بنقل مكة المكرمة إلى مصاف العالم الأول، لا سيما موقع "الحديبية" الذي كان يولي هذه المنطقة النبوية رعاية خاصة تتفق مع أهميتها التاريخية والدينية.

في مساء الثلاثاء 21 أبريل 2009، أعلن الفيصل مباركته للتصاميم الأولية لمشروع "بوابة مكة" الذي قدمته إحدى الشركات العقارية في قاعة الاحتفالات الرئيسية في فندق هيلتون جدة.

كانت المساحة الإجمالية للمشروع تصل إلى 80 مليون متر مربع، وشملت التصميمات التي استثمرت الشركة فيها نحو 150 مليون ريالا إنشاء مجمعات سكنية فلل وعمائر ومتنزهات ومجمع للدوائر الحكومية ومبنى لإمارة منطقة مكة المكرمة وجامعة جديدة تحت مسمى جامعة الحديبية ومركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين الحضارات وملاعب ومركز للمعارض وقرية تراثية.
وستوفر في المشروع الذي قدرت تكاليفه يومها مليارات الريالات جميع الخدمات اللازمة خلال فترة تنفيذه المقترحة بعشر سنوات.

كانت عجلة إزالة الأحياء السكنية لصالح التطوير والتوسعات الضخمة التي شهدتها العاصمة المقدسة خلال العقود الماضية تستوجب إنشاء أحياء جديدة تستوعب حاجة أهالي مكة المكرمة لمساكن تكفيهم، خاصة الذين نزعت ملكياتهم لصالح مشاريع التطوير.

ووضعت أمانة العاصمة المقدسة رؤية جديدة لتطبيقها في مشاريع تطوير ضواحي مكة، ابتداء بضاحيتها الغربية، تستلهم تجارب دولية نجحت في تنفيذ مشاريع حضارية ناجحة، تستند على مبدأ المشاركة مع القطاع الخاص بحيث توفر الأمانة والجهات التنفيذية الأخرى، الظروف الملائمة لعمل شركات تطوير المشاريع العمرانية التي يقع العمل الفعلي عليها.

بعد نحو 14 شهرا وتحديدا في 21/6/2010، عقد الأمير خالد الفيصل اجتماعا في مكتبه بحضور رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع الأمير سعود بن ثنيان وأمين العاصمة المقدسة الدكتور أسامة البار، أكد فيه أهمية إقامة واحة الملك عبدالله للحوار الحضاري، مشيرا إلى أن المشروع سيكون واحدا من أهم المواقع التي تبرز جوانب عدة للحضارة الإسلامية بداخل الواحة وذلك بإعطاء الفرصة لاستخدام الطراز العمراني المكي المحلي الممزوج بالحضارة والعمران العصري الحديث، إضافة لأهميتها الفكرية.

واطلع أمير مكة يومها على عرض مصور للواحة، استمع فيه إلى شرح عن كيفية إنشائها وما تمثله الواحات على مر العصور والأزمنة من أماكن للقاء والاجتماع، والتي ما زال عدد منها حتى يومنا هذا منبعا للقصص والحوارات التي تسود مثل هذه الأماكن المعروفة بروح التسامح والسلام.

وحدد العرض الموقع المقترح لإقامة واحة الملك عبدالله للحوار الحضاري في موقع صلح الحديبية التاريخي، والذي شهد عقد معاهدة سلم بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبين قبائل قريش (في السنة السادسة للهجرة)، تيمنا بأن تكون هذه الواحة أحد أهم مواقع التلاقي الاجتماعي والفكري، خاصة وأنها ستقام بالقرب من موقع جامعة الحديبية المقترح إنشاؤها في هذه المنطقة وسط مكة القديمة ومدينة بوابة مكة المستقبل، مما يخولها لجذب الزوار من مختلف المناطق والخلفيات محليا وعالميا لتسهم في التلاقي وتبادل الخبرات والأفكار فيما يخدم حضارة الإنسان.

وأشار العرض إلى أن الواحة ستتضمن عددا من المواقع كمركز مجمع المعارض ومركز التواصل ومركز الاجتماعات وقاعة الحوارات العامة ومرافق الإنتاج الإعلامي، إضافة إلى المطاعم والمرافق المعرفية والخدمية والتي ستستقطب المحاضرات والمؤتمرات على مدار العام حسب ما هو معد لإنشائها.

هيئة السياحة والآثار: مكة والمدينة في قلب الاهتمام
التقت "مكة" نائب الرئيس للآثار والمتاحف بالهيئة العامة للسياحة والآثار الدكتور علي الغبان في مكتبه صباح الاثنين 10 نوفمبر 2014 بمقر الهيئة في الحي الدبلوماسي في الرياض، وخلال اللقاء أبدى د.الغبان اهتماما كبيرا بالمعلومات الجديدة التي نشرتها الصحيفة سابقا حول التعديات والتغييرات التي تحيط ببئر الحديبية، والحال الذي وصلت إليه أسبلة المؤسس لسقيا الحجاج في الحديبية، ووجه بجمع كامل المعلومات والصور المتوفرة لمعالجة فورية للموقف، وهو ما تمت ملاحظته بعد اللقاء بيومين فقط، حيث تم عمل ساتر حماية لبئر وسبيل الملك المؤسس رقم 2 في منطقة الحديبية أثناء عمل مشروع خزان استراتيجي للمياه تحت مساحة واسعة من الحديقة الصحراوية المحاذية للسبيل.

وأكد الغبان خلال لقائه أن هيئة السياحة والآثار تهتم بنشر الوعي بأهمية المواقع التاريخية والمحافظة على الآثار في المجتمع.

مشيرا إلى أن الهيئة تولي جميع المواقع الإسلامية في المملكة اهتماما خاصا، ونوه بتنوع جهود الدولة ممثلة بالهيئة في حماية التراث الوطني وإبرازه، مشيرا إلى صدور الأمر الملكي الكريم عام 2008 بتحديد المواقع الإسلامية داخل المملكة والعمل على الحفاظ عليها وحمايتها، إضافة إلى تنفيذ برنامج لإعادة ترميم المساجد العتيقة بالتعاون مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.

الراشد في مكاشفات لـ"مكة"
في المقابل تحدث مستشار الرئيس العام لهيئة السياحة والآثار والمدير السابق لوكالة المتاحف والآثار في وزارة المعارف الدكتور سعد الراشد بقوله: من واقع خبرتي، وقد قمت بإدارة وكالة الآثار والمتاحف لسنوات، أعرف وأعي كل ظروف التجربة التي مرت بها آثار السعودية في هذا المجال، هناك تخط لكثير من العقبات السابقة، بفضل الله أولا، ثم بجهود الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز الذي سعى إلى ضم قطاع الآثار إلى هيئة السياحة، وقدرته على الوصول إلى صاحب القرار بطريقة سريعة.

الأمر الذي جعل للهيئة ثقلا كبيرا في إطار قانوني وتفعيل قضايا الشراكة مع الجهات والدوائر الحكومية المختلفة وعقد اتفاقيات معها.

وقال: أصبحت هيئة السياحة والآثار الآن قدوة يقتدى بها في قضية التعاون بين الجميع لحماية مواقع الآثار، وهي بالآلاف في المملكة، وبفضل ذلك أصبح لدينا قبول من كل المجتمع في قضية الآثار، وأصبح لدى الناس حماس كبير لهذه القضية.

موضحا أن الشيء الآخر والجديد من الدولة، غير مشروع الملك عبدالله للعناية بالتراث الحضاري، هو الاهتمام بمواقع التاريخ الإسلامي في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

مشيرا إلى أن الدولة استجابت للهيئة، وبات الآن لديها قرار من قيادات الدولة ومعهم خيرة العلماء في البلد وعلى رأسهم رئيس هيئة كبار العلماء، بأهمية المحافظة على مواقع التراث الإسلامي في مكة والمدينة وعدم المساس بها وبالخصوص المرتبطة بالرسول صلى الله عليه وسلم.

ونقوم الآن بعد أن انتهينا من الحفاظ على بئر طوى في مكة، بدراسة وتوثيق مواقع أخرى مثل بئر رومة التي من حسن الحظ أنها محفوظة وباقية في مشتل تابع لوزارة الزراعة، ومسار النبي إلى قرية بني سعد، وموقع معركة حنين، وموقع ومسار غزوة الطائف التي يدور حولها لغط كثير.

وقال: نحن نعمل، ولكن بهدوء. وبعد الانتهاء من توثيق هذه المواقع سنبدأ التفكير في كيفية إدخالها في مسار التنمية السياحية في المملكة.

الآثار ووسائل الإعلام
وأشاد الراشد بانفتاح رئيس الهيئة مع وسائل الإعلام المختلفة، الأمر الذي أثمر زيادة في البرامج المخصصة عن الآثار في السعودية، وقفزت بشكل كبير جدا عن السابق.

منوها إلى أن الآثار كعلم قاعدته: ما كل ما يعلم يقال! وما يكتب في الصحافة والإعلام لا بد أن يكون بمعيار.

خلص مهمتك ثم بثها لاحقا على الناس، لأن الهدف المهم هنا هو توعية الناس والمجتمع بقضية المحافظة والعناية بالآثار ومواقعها.

وأكد الراشد أن المحافظة على الآثار والعناية بها تحتاجان إلى مصادر تمويل ضخمة.

فهي من دون مال لا تعمل، وأضاف «بدون المال وتعاون المجتمع المحلي للحفاظ على المواقع التاريخية والعمل سوية يدا واحدة وبشكل متناغم لا أمل بتحقيق شيء يذكر.

مشيرا إلى أن المملكة تحوي إرثا حضاريا عظيما دفعها لإنشاء إدارة للآثار في 1383هـ في معهد العاصمة التابع لوزارة المعارف في الرياض في عهد وزير المعارف آنذاك الشيخ حسن آل الشيخ.

موضحا أن أول مدير لإدارة الوكالة كان الدكتور عبدالله المصري وكان للتو تخرج من جامعة هارفارد الأمريكية.

وأضاف: كثيرون لا يعلمون أن إنشاء وكالة الآثار والمتاحف جاء لكون المملكة هي رابع دولة تشارك في إنشاء منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» في 1945.

كما اشتركت في أول مؤتمر عن الآثار أقيم في العالم العربي وكان في دمشق 1949.

سبيل المؤسس لسقيا الحجاج في منطقة الحديبية

وقال: مع حلول الطفرة الأولى وفورة التنمية والعمران الذي شهدته جميع مناطق السعودية كان لوزارة المعارف آنذاك، وبفضل انتشار مؤسساتها التعليمية في كل المدن والمحافظات دور يذكر ويشكر كونها كانت بمثابة الحارس الأمين لتراثنا الحضاري بعد أن جاءت التوجيهات السامية بالمحافظة على المواقع الأثرية، فأقامت الوزارة الأسوار حول كثير من المواقع الأثرية والتاريخية إلى حين عمل توعية مجتمعية شاملة بأهميتها والمحافظة عليها.

وواصل: أتحدث الآن من خلال خبرتي المتواضعة، وأؤكد أن التجربة التي خاضتها المملكة في مجال العناية بالآثار مميزة، ونلمس ذلك عبر كثير من الخبراء العالميين الذين يزورون السعودية، ويثمنون هذا الدور الذي قام على أسس سليمة.

 

المصدر : صحيفة مكة 1436/6/4هـ - بقلم الاستاذ عمر المضواحي