المرأة المكية وخاصية المكان ..


ارتبط تاريخ مكة بالمرأة منذ البدء، أثر هذا الارتباط في تشكيل سلوكيات نسائها وفي تكوينهن، وتتساوى المرأة المكية ذات الانتماء العريق بالمرأة التي تستوطنها وهي في سن اكتساب صفات غلبت عليهن جميعاً.

وقد يكون من المبالغ فيه الكلام عن خصوصية مميزة للمرأة المكية، ولكن تصفح المصادر التاريخية وتتبع ما ورد فيها عن أعلام مكيات، يبين أن الخصوصية هي شيء ظاهر وفعلي وهي خصوصية مستمدة من خصوصية المكان نفسه.

كانت هاجر المرأة أول من وطأ مكة بصحبة زوجها نبي الله إبراهيم عليه السلام، وولدها الصغير إسماعيل، كان هناك البيت العتيق، وكانت هناك قبائل حولها ولكن الموضع المحدد للمدينة كان خالياً.

ورحل نبي الله إبراهيم راجعا إلى وطنه تاركا هاجر وولدها، ولنتصور قوة وصلابة تلك المرأة التي جاءت إلى أرض خالية موحشة.

ومن ثم لعلنا نطرح السؤال: هل كان ذلك الموقف الذي عاشته هاجر من أسباب إعطاء المرأة المكية صلابة وقوة، وانغماسات في العمل ومشاركة في حياة المجتمع بكل قوة؟

المؤسف أننا لا نجد في التاريخ ما يقدم لنا معلومات حتى نصل إلى فترة البعثة النبوية. وفي تلك المرحلة نجد أسماء مجموعة من النساء المكيات فعدا السيدة خديجة بنت خويلد التي آزرت النبي صلى الله عليه وسلم وساندته، هناك من آمن بالإسلام، وأصررن على إيمانهن وإسلامهن، على رغم كل الظروف القاسية التي واجهنها والتي اضطرتهن في نهاية المطاف إلى الخروج من مكة إلى الحبشة عبر البحر غير عابثات بالصعاب.

وهناك صحابيات أخريات وتابعيات كان لهن دور مميز في حياة المجتمع المكي أو عند انتقالهن مهاجرات إلى المدينة تنتشر أخبارهن في كتب التراث العربي. ويتوالى ظهور الأسماء النسائية في المجتمع المكي ومن أبرزها في القرن الخامس الهجري كريمة بنت أحمد المروزية التي تخصصت في الحديث النبوي الشريف مع التركيز على صحيح الإمام البخاري.

وهناك عدد من المحدثات اللاتي برزن بعد كريمة في مكة، وجميعهن اهتممن بالحديث وكانت لهن مكانة كبيرة بين علماء مكة.

واشتهرت في مكة أسرة علم استمر بروز أفرادها على مدى قرون هي الأسرة الطبرية، استمرت متصدرة الوجاهة في بلد الله الحرام ستة قرون منذ قدوم جدها رضي الدين ومجاورته في مكة المكرمة، وظلت تتسنم أعلى المناصب في القضاء والإمامة والخطابة والتدريس والفتوى، ونشر العلم والتأليف. وقد امتد مجد هذه الأسرة في الحجاز من القرن السادس إلى القرن الثاني عشر الهجريين، حمل خلالها رجال ونساء هذه الأسرة أمانة العمل وبخاصة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقل أن تحظى أسرة بريادة علمية تمتد لقرون. وقد ظهرت في هذه الأسرة عالمات نبيهات أسهمن في العلم، وفي خدمة المجتمع.

إن العدد الكبير من النساء اللاتي برزن في مكة تجمع بينهن صفات محددة وهي الإصرار والعزيمة وحب العمل والإخلاص له، وقوة التحمل والمضي قدما في أداء ما أنيط بهن أو أخذن على أنفسهن تحمله.

إن هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة معمقة تكشف بدقة عن الرابط بين البيئة وتكوين الشخصية في مكة المكرمة.


ورقة علمية أُلقيت في لقاء الجمعية التاريخية في مكة المكرمة
بتاريخ 10 -4-1426 هــ


بقلم : دلال مخلد الحربي