المبيتات في البيت المكي قديمًا .. سكينة العلو وقرب السماء

المبيتات في البيت المكي قديمًا .. سكينة العلو وقرب السماء

في البيوت المكية القديمة كان اختيار موقع المبيتات نابعًا من فهمٍ عميق لطبيعة المكان والمناخ ونمط الحياة. ولهذا لم تكن المبيتات في قلب الدار أو أسفلها بل كانت تقع غالبًا في الدور العلوي بمحاذاة السطوح حيث الهواء أنقى والنسيم أهدأ والقرب من السماء يمنح النوم طمأنينةً خاصة.

المبيتات هنا لم تكن مجرد أماكن للنوم بل فضاءات علوية صممت لتكون ملاذًا للجسد والروح معًا.

لماذا الدور العلوي؟

كان أهل مكة يدركون بالفطرة أن النوم يحتاج إلى هواء متجدد وهدوء بعيد عن صخب الشارع.
فجاءت المبيتات في أعلى الدار لتؤدي هذا الغرض: هواء أبرد في ليالي الصيف، عزل طبيعي عن الضوضاء، وخصوصية أكبر للنساء والأطفال، وقرب مباشر من السطح عند الحاجة.
هذا الموقع لم يكن اختيارًا معماريًا فحسب بل قرارًا اجتماعيًا وبيئيًا حكيمًا.

المبيتات .. مساحات تهيأ ولا تغلق

لم تكن المبيتات غرفًا ثابتة تقفل أبوابها بل مساحات تنظم مع حلول الليل: فتفرش الطواويل، أو ترتب الكرويتات، وتحضر الوسائد

ثم مع بزوغ الفجر تطوى المبيتات وتعود المساحة لوظيفتها النهارية. هذا التبدل اليومي يعكس بساطة العيش وحسن التدبير وروح المشاركة التي ميزت البيت المكي.

قرب المبيت من السطح .. امتداد طبيعي للنوم

كون المبيتات بجوار السطح جعل الانتقال إليه أمرًا يسيرًا خاصة في ليالي الصيف الحارة. فإذا اشتد الحر انتقلت العائلة بسلاسة من مبيتات الدور العلوي إلى السطح حيث تفرش الكرويتات تحت السماء وتغطى بالناموسيات ويصبح النوم أقرب للطبيعة.

وهكذا كان النوم في البيت المكي متدرجًا: مبيت داخلي علوي في الليالي المعتدلة، ومبيت مفتوح على السطح في الليالي الحارة دون تعقيد أو تكلف.

مبيتات النساء .. ستر وطمأنينة

كانت المبيتات العلوية تنظم بعناية خاصة للنساء مراعاةً للستر والراحة. فينام البنات قرب أمهاتهن وتكون الجدات في موضع يتوسط الجميع وكأن حضورهن حراسة غير معلنة للبيت كله.

في هذه المبيتات: تقال الأذكار قبل النوم، وتقرأ المعوذات، لتهدأ القلوب ويغفو الأطفال على صوت الدعاء. فكان النوم فعلاً جماعيًا مطمئنًا، لا عزلة فيه ولا قلق.

مبيتات الضيوف .. في أعلى مكانة

حتى الضيوف والحجاج كان يخصص لهم مبيت في الدور العلوي إن أمكن احترامًا لمكانتهم وتوفيرًا للهواء والراحة. فالمبيت في الأعلى كان يعد أفضل مبيت لما فيه من هدوء وبرودة نسبية.

العلو .. قيمة ومعنى

لم يكن العلو في موقع المبيت مجرد ارتفاع في البناء، بل كان علوّا في المعنى: قرب من السماء وصفاء في النفس وهدوء في النوم لبداية يومٍ جديد بروح مطمئنةلذلك بقيت المبيتات العلوية في البيت المكي رمزًا لزمنٍ جميل كانت فيه الحياة أبسط والنفوس أصفى والنوم أعمق.
 

المبيتات في البيت المكي قديمًا والواقعة في الدور العلوي بجوار السطوح كانت أكثر من أماكن للنوم. فمثلت نظامًا متكاملًا للراحة والسكينة يعكس حكمة المكان ووعي الإنسان وروح الأسرة. فهي ذاكرة نومٍ جميل وقربٍ إنساني، وعلوً لا يقاس بالبناء .. بل بالطمأنينة.

✍️
بقلم :  أ.د. عصام إبراهيم أزهـر