الأماكن الاسلامية في مكة وعناية الملك عبد العزيز بها (7)

إزالة الآثار اعتداء وتقديسها ينافي العقيدة الصحيحة

  د. عبدالوهاب أبو سليمان

أثارت مقولة إزالة بعض المواقع الإسلامية المأثورة وتغيير مسميات بعضها الآخر في مكة المكرمة وجدة والمدينة المنورة جدلا واسعا في المشهدين الفكري والإعلامي، وتقدم لتأييدها عدد من المشايخ والمفكرين والمثقفين بينما تصدى لها وناقض أطروحاتها فصيل آخر من هذه الشرائح، كما شارك في التجاذب الفكري حولها عدد من كتاب الرأي في وسائلنا الإعلامية. ولأهمية الموضوع وحاجته للبحث المتعمق المدعوم بالأدلة والأسانيد تنشر «عكاظ» على عدة حلقات مسلسلة دراسة أكاديمية قام بإعدادها الشيخ الدكتور عبدالوهاب إبراهيم أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء، تتناول هذا الموضوع وتضع النقاط على الحروف المدعومة بالأدلة والشواهد على التساؤلات الإشكالية المهمة التي أطلقها المؤيدون والمعارضون لهذا الموضوع.

يروي الزميل الأستاذ عبدالرزاق ابن العلامة السلفي المحدث خطيب المسجد الحرام وإمامه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة رحمه الله تعالى، بداية العمل في تأسيس مدرسة تحفيظ القرآن الكريم في هذا المكان المبارك قائلا: "... وكنا قد عرفنا قبل ذلك أن هذا هو محل دار أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وعن بقية أمهات المؤمنين, وهي الدار التي ولدت فيها السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها, وبعد فترة من الزمن رأيت عمالا يحفرون في هذا الموقع لعمل أساسات لمبنى جديد, وقد اتضح وجود مبنى كامل فيه مسجد تحت مستوى الشارع, ولا بد أن التي تحيط بالدار هي التي ارتفعت بسبب السيول, وغيرها, المهم أنه شيد مبنى جديدا في نفس الموقع, وشغل مدرسة لتحفيظ القرآن, وهو أفضل استغلال لهذا الموقع التاريخي بما قيض الله له من أهل الخير, من فكر هذا التفكير السليم, وفي نفس الفترة في أواسط الستينيات الهجرية, وأواخرها كان مع دار الأرقم بن أبي الأرقم بالصفا (دار الإسلام), وهي أول مدرسة في الإسلام, وفيها أسلم من فرق الله به بين الحق والباطل, الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قصة أخرى حيث إنها تقع في زقاق متفرع من المسعى على يسار الذهب إلى الصفا, وهذا الزقاق يبعد عن جبل الصفا بحوالى الخمسين مترا زقاق الخيزران, أما دار الأرقم فكانت تبعد عن المسعى بنحو مائة متر, وهي قريبة من دور سدنة الكعبة المشرفة آل الشيبي, وكانت عبارة عن دار مكونة من دور واحد, ومبنية على نفس طراز بناء الحرم القديم من الأعمدة والعقود, وكانت مهجورة.

وقد قيض الله لها فضيلة إمام الحرم المكي الشيخ عبد الظاهر أبو السمح, ونائبه فضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة فطلبا من الملك عبدالعزيز يرحمه الله، منحها لتكون مقرا لمدرسة دار الحديث التي سبق أن أسسها عام 1353هـ فوافق الملك عبدالعزيز على ذلك, وسلمت لهما, لما كانت دورا واحدا لا يزيد على أربع غرف, وهذا لا يكفي لاستيعاب المدرسة فقد تبرع أحد فاعلي الخير ببناء دور ثان على دورها الأرضي, وقد كان لوجيه جدة الشيخ محمد حسين نصيف الذي كان يتعاطف كثيرا مع هذه المدرسة دور كبير في هذا العمل, ولكن هذا الدور المضاف لم يأت متناسقا مع الدور الأرضي؛ ذلك أن الدور الأرضي كان مبنيا -كما أسلفت- على الطراز الإسلامي ذي الأعمدة والعقود, أما الإضافة فجاءت على الطراز الحديث الإسمنتي, وهكذا ظهر البناء كمن يلبس ثوباً وعباءة ويضع فوق رأسه قبعة, واستمرت مدرسة دار الحديث تشغل هذا المبنى الأثري محيية ذكراه الطيبة حتى جاء مشروع توسعة الحرم فهدم هذا المبنى عام 1375هـ, ومكانه الآن في الشارع الواقع بين الصفا وجبل أبي قبيس...".

وإننا نجد مصداقية هذه الرواية التي ذكرها الأستاذ الفاضل عبدالرزاق حمزة حفظه الله في ما سطره العلامة السلفي مسعود عالم الندوي في كتابه (شهور في ديار العرب) عن رحلته إلى المملكة العربية السعودية؛ حيث حل ضيفا على حكومة جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى، في الثامن من ذي القعدة عام 1368هـ/ الأول من سبتمبر 1949م (شهور في ديار العرب) قائلا في سياق سر انتهائه من طواف الوداع قائلا: "بعد الطواف رغبت في السلام على الشيخ أبو السمح, وحين وصلت إلى باب (دار الحديث) وجدت مولانا عبدالوهاب الدهلوي قادما من مقر إقامتي, وكان قد ذهب لزيارتي, وكان برفقته محمد بن عبدالرزاق حمزة فجلسنا معا نتحدث في موضوعات مختلفة, كان الشيخ أبو السمح قد ذهب إلى دار الأرقم, إن هذا المبنى الخاص بدار الأرقم في بداية العهد العباسي, ولهذا فإن مكانته التاريخية حقيقية وثابتة, وقد أخذ الشيخ أبو السمح هذا المبنى لدار الحديث, وهناك فكرة لبناء مبنى رائع وضخم في هذا الموقع, وللأسف لم أتمكن من زيارة (دار الأرقم) الدار التي كان يرابط فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من الفدائيين الأوائل, وإن شاء الله أزورها بعد العودة من المدينة المنورة بصحبة مولانا عبدالوهاب, فهو من أشهر علماء آثار مكة المكرمة, وهو أيضا مسؤول المالية في لجنة دار الحديث.

وبمناسبة (دار الأرقم) ذكر الشيخ محمد بن عبد الرزاق رأيه في ما يتعلق بالأماكن التاريخية في مكة يقول: يجب الإبقاء على جميع هذه المباني, وجعلها مقرا للإدارات والهيئات العلمية والدينية, وكان من الضروري هدم القباب ولكن لا معنى لإهمال تلك الأماكن ذات الصلة بالحياة الأولى للدعوة الإسلامية..."!

هذا هو الفكر المستنير الوسط في التعامل مع هذه الأماكن التاريخية, إزالتها اعتداء على التاريخ, ومشاعر المسلمين, وتقديسها بصورة تتنافى مع العقيدة الصحيحة أمر مرفوض, والعلاج لهذه الظاهرة من بعض الجهلة من خارج البلاد يكون بالتوعية المفيدة عن طريق تنظيم جموع الزائرين لمشاهدة هذه الأماكن بقيادة دليل يرشدهم, ويعرفهم بتاريخ الإسلام ونشوئه على رحابها, ومحاربته لكل المظاهر التي تتنافى مع التوحيد الخاص الذي ينبغي أن يتحلى به المسلم في تعامله مع الآثار. التوعية هي الحل السليم, وهي في ما بعد درس لكل من قصد زيارة هذه الأماكن التاريخية, خصوصا بعد عودة الحجاج, والمعتمرين إلى أوطانهم.

إن توظيف هذه الأماكن التاريخية بطريقة عقلانية, وأسلوب حضاري, يحفظ للمكان قدره, ومكانته التاريخية, وجلاله ووقاره في نفوس المسلمين لما له من علاقة بمشاعرهم وعواطفهم, وتاريخهم يحسب في موازين جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله, وذلك بفضل الله ثم بفضل مشورته للعلماء أصحاب الأفق الواسع, والاتجاه الصحيح, الذين يعرفون لمثل هذه الأماكن التاريخية أهميتها, وأثرها الكبير على توجيه الأجيال, وإذكاء روحها بمعاني الإيمان.

الفصل الثامن: نظرة السلف الصالح للآثار الإسلامية:
اهتم كثير من السلف الصالح الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم بالأماكن التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حدث له فيها أمر، أو لأحد من كبار الصحابة رضوان الله عليهم بما يليق بها انتسابا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولصحابته الكرام، وقد شيدوا المساجد في مواقعها لتكون شواهد تاريخية على من حل بها، أو ما حل بها؛ ذلك أن ربط الحدث بمكانه، ومكانته يظل ثابتا راسخا في ذاكرة الأجيال الصاعدة، محفزا لهم على الالتزام بالقيم، والمبادئ التي جاء بها صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم.

السماع، أو الرواية تصحبه المشاهدة، وخصوصا في المراحل التربوية الأولى تحرك في الشباب نوازع الإيمان، وقيمه الرفيعة، شواهد هذا من فعل السلف الصالح ما ذكره العلامة محمد بن سعد بن منيع الزهري في الطبقات الكبرى بسنده إلى معاذ بن محمد الأنصاري قال: سمعت عطاء الخرساني في مجلس فيه عمران بن أبي أنس يقول وهو فيما بين القبر والمنبر: أدركت حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله، فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم.

قال عطاء: فسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: والله لوددت أنهم تركوها على حالها، ينشأ ناشئ من أهل المدينة، ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر، والتفاخر، يعني الدنيا.

قال معاذ: فلما فرغ الخرساني من حديثه قال عمران بن أبي أنس: كان منها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد، وكانت خمسة بيوت من جريد مطينة لا حجر لها على أبوابها مسوح الشعر، ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع والعظم، أو أدنى من العظم، فأما ما ذكرت من كثرة البكاء فلقد رأيتني في مجلس فيه نفر من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو أمامة بن سهل بن حفيف، وخارجة بن زيد، وإنهم ليبكون حتى أخضل لحاهم الدمع، وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس على البناء، ويروا ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده.

أخبرنا محمد بن عمر عن عبدالله بن عامر الأسلمي قال لي أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو في مصلاه فيما بين الأسطوان التي تلي حرف القبر التي تلي الأخرى إلى طريق باب رسول الله: هذا بيت زينب بنت جحش، وكان رسول الله فيه، وهذا الصف كله إلى باب أسماء بنت حسن بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس اليوم إلى رحبة المسجد, فهذه بيوته رأيتها بالجريد قد طرت بالطين عليها مسوح الشعر" (81).

بهذا المفهوم الواضح البعيد عن الغلو, والمبالغة, أو التجافي, والتقصير والإهمال تعامل المسلمون في الصدر الأول مع الآثار النبوية, وكل ما يتصل بها, أو بالصحابة الكرام رضي الله عنهم, حافظوا على تدوين كل أثر يتعلق بهم وبتاريخهم, استشعارا لأهميته, وليبقى ذخرا باقيا للأجيال القادمة التي لم تحظ بمشاهدتها.

يقول العلامة القاضي عياض رحمه الله تعالى (ت544هـ) في كتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم): "من إعظامه صلى الله عليه وسلم وإكباره إعظام جميع أسبابه, وإكرام جميع مشاهده, وأمكنته من مكة, والمدينة, ومعاهده, وما لمسه بيده, أو عرف به..." وقد ذكر أدلة وشواهد على ذلك, وهو ما دلل عليه عملا وتطبيقا سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.

يقول العلامة شمس الدين محمد بن عبدالرحمن السخاوي رحمه الله تعالى في توجيه هذا الموقف: "إن سبب النجاة الاستقامة في الأحوال والأفعال, ولا يتم ذلك إلا بسائق وقائد, كصحبة الصالحين, أو سماع أحوالهم, والنظر في آثارهم عند تعذر الصحبة, حيث تتصور النفس أعيانهم, وتتخيل مذاهبهم؛ لأنك لو أبصرت لم يبق عندك إلا التذكر والتخيل, وكان السمع كالبصر, والعيان كالخبر"!

تحقيقا لما ذكره القاضي عياض رحمه الله تعالى, وتطبيقا لما سار عليه السلف في هذا الاتجاه، أفرد علماء الأمة ومؤرخوها المؤلفات العديدة عن الآثار النبوية: أماكن, وأدوات, وتحركات, وكل ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم, وبجيل الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين, فأصبحت موضوعا مهما في مؤلفات المؤلفين وكتابات الباحثين, تبعا حينا, واستقلالا حينا آخر.

المصدر : جريدة عكاظ السبت 27/1/1430هـ

 

انتقل إلى الجزء (8) والأخير من المقالة عبر الرابط التالي :

http://www.makkawi.com/Articles/Show.aspx?ID=301