الشيخ عبد الله محمد بصنوي

الشيخ عبد الله محمد بصنوي رحمه الله 

https://www.makkawi.com/Uploads/All/basnoi6.JPG

إذا كانت المشيخة تتطلب الرجولة والشهامة والحكمة .. وإذا كان حَصْدُ إجماع الناس على المحبة والاحترام والتقدير يتطلب صفات وسجايا من الكرم والمروءة وحب الخير وعدم التمييز بين الناس، فإن هذه الخصال جميعها نجدها متجسدةً بامتياز في هذا الرجل الفذ، بل هي متجذرة في شخصيته بشكل جعلها جديرة بالمشيخة وإجماع حب الناس بكامل الاستحقاق الذي لا يختلف حوله اثنان في كافة نسيج المجتمع المكي، وعلى مدى أجيال متعاقبة. 

ولادته ونشأته

وُلِد الشيخ عبد الله بصنوي في مكة المكرمة عام 1329هـ، ونشأ في رعاية والده، الشيخ محمد عبد الله بصنوي، مؤذن المسجد الحرام، الذي توفي عام 1345هـ، وتركه فتىً حَدَثًا يافعًا لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، ليحمل مسؤولية شقيق يصغره بتسع سنوات (حمزة)، وشقيقتين (فاطمة وسعاد) ووالدتهم السيدة الفاضلة صالحة صالح قطش.

ومن ألطاف المولى سبحانه أن تجري أقداره في هذا المسار لكي يترعرع صاحب هذه السيرة في كنف خاله، الشيخ عبد الله صالح قطش، الذي كان عمدة حارة الباب. وما كان له، ولا لخاله، أن يعلم أن الله يُعِدُّهُ ـ عبر تلك المسيرة ـ لِما خُلِقَ له .. فلقد أصبح هذا الفتى في بضع سنين ليس فقط عمدة الشامية، بل هو عمدة العُمَدِ في مكة المكرمة قاطبةً. لقد أعده الله لها بصفات أكسبته مكانةً تشرئبُّ لها أعناق عِلْيَة القوم، سواءً من كان منهم من أهل اليَسَار، أو من حُماةِ الذِّمَار .. حتى لكأنك تعجب من مفردات ابن الرشيق حول البديع في "العمدة"، من ترصيعٍ وإيغالٍ في الكمال، كيف توافقت لديه بمحض الصدفة هذه الصفات التي اجتمعت مجازًا في هذه الشخصية، حتى أوصلتها إلى تخوم "المثل السائر" .. وهذه مصادفة أخرى يطالعنا فيها ابن الأثير بما نجده مجازًا، لفظًا ومعنىً، فيه رحمه الله .. إذ المكارم التي تتوهج بها شخصية الشيخ عبد الله بصنوي إنما ألقاها تبرعًا، لكي يغمرَ كلَّ مَنْ يُسْعِفُه حَظُّه أن يكون في محيطه إحساسٌ مُرِيح، مفعمٌ بالتفاؤل، بصلاح حال المجتمع ما دام فيه نموذج فذٌّ كهذا، يتحرك ميدانيًا على أرض الواقع "مثلًا سائرًا"، بالمفهومين الحِسِّي والمجرَّد، ليريهم كيف تترجم المكارم إلى أفعال .. فقد أدّاها شيخ مكة الفاضل بمنتهى الإيغال في ترصيعها ببديع القول، وجميل الوشاح، وحُسْنِ التطبيق .. حتى غدت تُشْعِرُكَ بأنها إنما تنتقل بك من "برحة القطَّان" إلى قمة ثبير ثم إلى ذُرى حِراء، ومنهما إلى الأباطح فالنقا فالمروتين، ليستقر بك النوى مشدوهًا بين الركن والمقام، وأنت تسمع أذانًا ينساب رقراقًا مع نسمات السَّحَر في مقام الحجاز الشجيِّ، ليتردد صداه بين خندمة وغيلمة، وأبي قبيس وقعيقعان .. ولا عجب .. فهذا هو عبد الله بصنوي، بدءًا ومنتهىً. 

حياته

لا يستعصي على كل من يقيس قيمة المرء بمقياس الفضائل أن يدرك أن صاحب السيرة، بكل شموخه وكبريائه، رجلٌ لا يتعيش إلا من كسب يده. فالظروف التي نشأ فيها بعد وفاة والده، ومسؤوليته ـ بحكم موقعه في الأسرة ـ عن إخوته ووالدته، حتمت عليه أن يجعل تكسُّبَ المعيشة يزاحم تلقِّي العلم .. فهو قد ترك الدراسة وهو في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة الفلاح، واجتهد أن يلتقط خلاصة الخلاصة من رحيق العلم من أفواه علماء المسجد الحرام، ليوفر لنفسه أوقاتًا لم يكن يقضيها في حِلَق العلم في المسجد الحرام، ليمارس فيها من المهن ما يمَكِّنه من إنجاز عملٍ شريف يقتات من مردوده المادي ما يغطي متطلبات الأسرة بالكمال والتمام، بكرامة مصونة، ورأس شامخة. وقد كان الأذان في المسجد الحرام أحد أبرز تلك الأعمال وأشرفها وأحبها إلى نفسه، يلي ذلك "العمودية" التي أعَدّه الله لها، جوهرًا وإهابًا.

الأذان في المسجد الحرام

في هذا العمل المشرِّف أمضى شيخنا الجليل خمسةً وستين عامًا من حياته. ولا يتطلب الأمر كثير عناء ممن لديهم إلمام بدرجات الأصوات الرجولية من معاصريه الذين سمعوا أداءه للأذان معايشةً، أو أولئك الذين سمعوه عبر التسجيلات، أقول لا يتطلب الأمر منهم كثير عناء ليدركوا أن الشيخ عبد الله قد وهبه الله صوتًا في درجة تتماوج بين "الباريتون" و "التينور"، وهي المُناسِبَة لبث تذبذبات تتحرك أولاهما بين درجتين في الغليظ (من 110 إلى 425 هرتز) هما A2   و A4 ، بينما تتحرك ثانيتهما بين درجتين أقل غلظة، أقرب إلى منتصف السلَّم الموسيقي، هما C3 و C5.

بطبيعة الحال هذه الخصائص هي مواهب لدُنِّيَّة، يهبها الله لمن يشاء، عطاءً غير مجذوذ، تاركًا لهم الخيار فِيمَ يسخِّرونها له. فمنهم من ينعب بها في غناءٍ مبتذل، بكلمات ساقطة، مجهدًا نفسه في ذلك آناء الليل وأطراف النهار، مضيعًا بذلك حق شكر مولاه على الموهبة، ومُنْتَهِكًا أبسط واجبات الحفاظ على سواتر الحياء، بل خادشًا لها، في المجتمع المسلم .. ومنهم من يصدح بها في ابتهالات ربانية أو مدائح نبوية أو عظات وحكم، تستيقظ  معها نوازع الخير في المستمع، وتعود على المؤدِّي والمتلقِّي بالنفع في حياتهما وبعد مماتهما .. ومنهم من يرفع بها أسمى نداءٍ أُخْرِجَ للناس، التوحيد والشهادتين والدعوة إلى الفلاح بعبادة الواحد الأحد .. ذلكم هو الأذان الذي يغطي الكرة الأرضية على مدار الساعة، مَوْقِعًا بعد آخر، مواكبًا للحركة الدائبة للأرض والشمس ليلًا ونهارًا، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها .. فما بالنا بمن يرفع هذا النداء السامي في البلد الحرام من أمام الكعبة المشرفة؟ هل هناك شرف في تسخير تلك المواهب يضاهي ذلك؟

إن شيخنا الفاضل أدرك ذلك بكل أحاسيسه، وكل من عاصروه يعلمون علم اليقين أنه كان يؤدي الأذان بتبتُّل، بل ويحرص عليه حرص العاشق الولهان .. فالحق أبلج والطبع أثبج .. وما ملازمته للمكبرية، حيث ينطلق الأذان، على مدى خمسة وستين عامًا، إلا أكبر دليل على ذلك.

هذا على مستوى الحرص، أما على مستوى الأداء فيعلم أهل الاختصاص في أثر خلجات النفس على نوعية الذبذبات التي يصدر بها الصوت، أي التعبير عن الانفعالات النفسية بالعناصر الصوتية، أن أداء التبليغ في مقام "المايه"، في نطاق "الباريتون"، عندما يهوي المصلون للسجود بعد القيام من الركوع، هو أبلغ في التعبير عن الخشوع في النفس إزاء عَظَمَة الحركة التي تجعل الجبهة تلاصق الأرض في السجود .. أما عند القيام بعد السجود، فالتحول الوجداني يقتضي الانتقال بدرجة الصوت إلى A4   و C5 في "الباريتون"  و "التينور"، على التوالي، وكلاهما أقل غِلْظَة من سابقه .. ويقاس على ذلك بقية حركات الصلاة حتى الانتهاء بقرار مقام الحجاز في التسليمة الأخيرة.

كل ذلك كان يؤديه شيخنا الفاضل بكل تمكُّنٍ واقتدار، عبر الموهبة وصقلها بالمِرَان على يد العارفين بأصوله .. عَلِمَ ذلك مَنْ عَلِمَه، وجَهِلَه من جَهِلَه. لذا فإني ألتمس العذر لمن لم تسعفه حصيلته في هذا الشأن لاستيعاب ما قيل، فالكلام موجه لمن لديه تلك الحصيلة.

وقد نشرت جريدة المدينة على لسان ابنه أحمد عبد الله بصنوي الخبر الآتي:

 كانت هناك مناسبة عند الشيخ عبد القادر كوشك أمين العاصمة المقدسة السابق رحمة الله عليه، وكان من المحبين للتراث وخصصت ليلتان في داره لتوثيق هذا التراث ]أي الأذان[، بحضور بعض ذوي الاهتمام به، وسجل الأذان بعدة مقامات وشرحها، وشرح التكبيرات.

بقي أن يعلم القارئ العزيز أن هذا التعلق الوجداني بين الشيخ والأذان تبين بجلاء عند لحظة وفاته رحمه الله .. وسوف أوضح ذلك عند الحديث عن تلك اللحظة الفارقة في حياته، في نهاية هذه السيرة.

العُمُودِيَّة

هذا المصطلح قد لا يروق لأهل الاشتقاق ولا لأهل التأثيل في مفردات اللغة، ولكنه فرض نفسه كواقع لا مفر منه في كلام حاضرة أهل الحجاز، ومدلوله حال كون الشخص "عمدة" الحارة.

هذه المحطة هي التي تبدَّتْ فيها للملأ أن عناصر شخصية الشيخ عبد الله القيادية مجتمعيًا، والملتزمة رسميًا، والمنضبطة أخلاقيًا، والباذلة إنسانيًّا .. تحدوها أركانها الأساسية: الروحي والنفسي والذهني، تجعله أكبر من "العمودية" بكامل الجدارة والاستحقاق ..

إن إيمانه العميق بصلاح المَخْبَر، تَعَهَّدَهُ روحيًا، ليصبح واحدًا من أبرز القياديين في المجتمع صَلاحًا وإصْلاحًا .. كما أن تضافر هذه العناصر الإيجابية أوْرَثَه نفسيةً مستقرةً، وقيَّضَ له ذهنيةً حاضرةً ورؤية واضحة للتعامل مع التحديات، في سكينة وثقة وثبات .. ولم تخذله هذه الصفات طيلة حياته العملية والاجتماعية والأسرية.

صحيح أن المنافسة التي كانت مألوفة بين من يترشح لعمودية حي الشامية قد احتدمت حولها بينه وبين الشيخ زيني علايا، وهو من كبار أهل الشامية، خلال فترة الاختيار، ولكن التفاف الناس حول الشيخ عبد الله بصنوي في شبه إجماع أنهى ذلك التنافس بالقبول، كونه يخضع لآلية ما تعارف عليه الناس في زمننا الراهن بالديموقراطية، وهي كانت فطرية في ذلك الوقت، لما فيها من غبطة للحارة وأغلبية أهلها.

وما كان لكلا الرجلين، وهُما يدّعيان الأهلية للعمودية، ليسمحا لمسألة إجرائية منصفة أن تترك أثرها في نفوسهما. والدليل على ذلك أن الوضع ظل على حاله، وحافظ الشيخ عبد الله على العمودية لمدة تربو على نصف قرن من الزمان، والسبب في ذلك ـ بدون كثير عناء في التفكيرـ هو أنه أدّى خلالها كافة مقتضياتها بكل كفاءة واقتدار، حتى لقي الله وهو على ذلك.

ولعل الباحث المتبَحِّرَ في علم الأنثروبولوجيا يستطيع أن يستقرئ العلاقة بين أصول آل البصنوي "البوسنية" وهذا البعد الحضاري في شخصية شيخنا الجليل صاحب السيرة، ذلك البعد الذي زاده قرب الأسرة من الحرمين الشريفين وهجًا ولألاءً. ومن أراد الاستزادة حول النسب الأوروبي لهذه العائلة، فإنه واجدٌ بُلْغَتَه في صفحتي 116 و 117 من كتاب "تحفة المحبين في معرفة ما للمدنيين من الأنساب" لمؤلفه عبد الرحمن بن عبد الكريم الأنصاري (ت. عام 1197هـ)، إذ في ذلك النص ما يفيد بأن أسرة البصنوي كانت موجودة في المدينة المنورة منذ مطلع القرن الحادي عشر الهجري، وقد تحدث الكتاب عن سيرة جدهم الأول عبد الله أفندي حسن المدرس الرومي بما يؤكد أن الصفات التي سوف تجدها، أيها القارئ العزيز، في هذه السيرة لم تأت من فراغ. فهو قد وصفه بالعلم ونعته بالفضل وقال إنه: " كان على جانب عظيم من العبادة والزهادة، ونال بذلك الحسنى وزيادة".

وقد تأكد لدى كاتب هذه السطور انتماء آل البصنوي بفرعيهم في مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى أسرة واحدة تجتمع في جدهم الأول المشار إليه في الكتاب المذكور، وذلك وفق الشجرة الموجودة لدى اللواء م. إبراهيم حمزة بصنوي التي حصل عليها من الشيخ مصطفى أمين بصنوي، وهو من أهل المدينة من أحفاد الجد الأول، رحمهم الله جميعًا.

صفاته

الحكمة تظل العنصر السائد في شخصية صاحب السيرة، عليها كانت تسير حياته، وعلى هديها تصاغ  قراراته. ولقد علم معاصروه والمقربون منه أنه قد أوتيها هبةً من لدن مولاه، وأوتي معها خيرًا كثيرًا، متمثلًا في ما انعكس على شخصيته من سجايا تبلورت عبر عدة محاور.

 فبإحساسه المتجذر في أعماقه بقيمة الإنسان المعنوية استطاع أن يحفظ لكل فرد يتعامل معه كرامته بكامل أبعادها، بصرف النظر عن موقعه الاجتماعي أو الوظيفي، أو عن جذوره العرقية أو خلفيته الإثنية. فكما شاهده مرافقوه كيف كان يحيي عِلْيَة القوم، عايشوا كيف كان دأبه وهو يحيي البسطاء من الناس .. إنه أسلوب الكبار الذين لا تتأثر معاييرهم بالمتغيرات في الآخرين .. لقد شوهد مرارًا وهو ينحني ليحمل حذاءه في يديه عندما يصادف مروره بجوار عامل نظافة يجلس على الرصيف، ولا يعيد ارتداءه إلا بعد أن يكون قد حَيّا العامل بتودُّدٍ وتجاوزه بعدة خطوات. وباعتراف مرافقيه فإنهم تعلموا منه هذه الخصلة الحميدة .. إنه "المثل السائر" يا سادة.

صحيح أن من بين أصناف البشر من لا يستحق هذه المعاملة، ولكن الشيخ عبد الله لا يُغَيِّر مبادئه تبعًا لتذبذب أخلاقيات الآخرين. إن الثوابت عنده لا تصبح ـ في ردود فعل آنيَّة ـ متغيرات مفاجئة. وإليك الدليل، عزيزي القارئ:

شوهد الشيخ عبد الله في إحدى الاحتفاليات بمناسبة قدوم أحد الملوك السابقين إلى مكة التي دأب أهل أحيائها ـ بتضافر جهودهم وإسهاماتهم ـ على نصب ما يعرف بـ "البرزة" التي يجتمع فيها أهل الحارة وضيوفهم على مظاهر فرائحية من غناء وإنشاد ولعب "المزمار" الحجازي، تحت الإشراف الكامل لعمدة الحارة والنقباء .. أقول شوهد الشيخ عبد الله في عز تلك المناسبة البهيجة وهو يمد يده مصافحًا مسؤولًا أمنيًا كبيرًا أتى فجأة وترجَّل من سيارة أمنية وقَفَتْ بمحاذاة الرصيف، ولكن تلك اليد الشريفة الممتدَّة التي كانت تطعم اليتيم وتواسي المكلوم وتجبر الكسير، لم يمد يده لمصافحتها ذلك المسؤول الأمني الكبير، بل ظلت كلتا يديه متشابكتين خلف ظهره، ودار بين الرجلين حوار مقتضب لم يسمعه أحدٌ من الحاضرين، ثم غادر بعده المكان فورًا.

ولا أحسب أنني بحاجة إلى توصيف وقع ذلك على أجواء الاحتفالية ونفسية الحاضرين، وعلى الشيخ الجليل في وسط حارته أمام أهلها والضيوف.

وأنا إنما أوردت هذه "السالفة" لكي أوصل بها إلى وعي القارئ الكريم الكيفية التي يتعامل بها الكبار مع النوازل. إنهم يعدونها فحصًا وتمحيصًا للمبادئ. وهذا الرجل الفاضل، الذي أسبغنا عليه من الصفات ما ذكرناه آنفًا، لا يُسْتَثْنى من الفحص والتمحيص. إذ هو لن يكون أكرم على الله من سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. ومن العجيب أن هذه "السالفة" وقعت على بعد حوالي 100 متر من المكان الذي وقع فيه ـ قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان ـ لقاء بين المصطفى صلى الله عليه وسلم وعقبة بن أبي معيط، ونزل بشأنه قرآنٌ يُتْلى إلى يوم القيامة (الفرقان 27-29)، والقصة ذكرها مفصلًا أصحاب السير (ابن هشام 1\361 و السيرة الحلبية 2\374)، ومؤدّاها أن الكرامة لا ينبغي أبدًا أن تُهان، وأن عاقبة ذلك وبيلة .. فكيف بها وهي تُمارَس بأقبح صورها مرة إزاء سيد الثقلين صلى الله عليه وسلم، ومرة إزاء أكمل أهل زمانه، وأعلاهم قَدْرًا، وأسبَقِهِم فَوْتًا، وأوْفَرِهِم ذِمَّةً وشيمةً ومروءة.    

والشيخ الجليل من فرط اهتمامه بالتوازن في دوائر العواطف والانفعالات، أوكل الأمر إلى من بيده الأمر والتدبير، واستمرت المناسبة بدون تعكير. ولا يُسْتَبْعَد أنه بث الواقعة لاحقًا لمن يسمع النجوى، في ملجأ أهل الإنابة المألوف لدى أهل مكة المكرمة، ذلكم هو الملتزم، حيث تُسْكَبُ العبرات في حين، وتستجاب الدعوات ولو بعد حين. فلقد سَرَتْ الركبان همسًا بسداد قيد الوارد فعلًا بعد حين. والأعجب من ذلك كله أن السداد حصل في الواقعتين خارج حدود الحرم، ولعله فيه إمعان بالأمان وتأكيد لحرمة المكان، حتى لمن لم يراع تلك المعاني والقيم .. وما كان التأجيل إلا نسيئةً لهما أملًا في الرجوع إلى الحق وإبداء مؤشرات ندم، حتى ولو كانت معاذيرًا. 

صِلاتُه الاجتماعية

كان الشيخ عبد الله شديد الحرص على صلاته الاجتماعية، ولم يُعرَف عنه قط أنه تخلف عن موجبات دعوة بمبررات دعوى. ويكون أشد حرصًا على حضور مناسبات مستوري الحال من الناس، في داخل مكة وخارجها. وقد حضر كاتب هذه السطور معه عدة مناسبات توْقًا إليها، اقتداءً به، داعيًا ومدعوًا، ورَدًّا لجمائله وفاءً بوفاء. من بينها ما كان في بيته، ومنها ما كان في مواقع أخرى.

كما أدرك كل من تعامل معه يقينًا أن صِلته بشرائح المجتمع بكل أطيافها لم تكن قط متمحورة حول مصلحة شخصية، لا مادية ولا معنوية. بل إنها كانت ينبوعًا دافقًا من المحبة والتقدير والإيثار، وأحيانًا كثيرة تتجاوز ذلك إلى المساعدة الإيجابية قدر ما يبلغ به جهده، أو تدركه وجاهته.

وكان من ثمار ذلك أن قابله الناس حبًا بحب ووفاءً بوفاء، وعاملوه بالمثل في مناسباته، أفراحًا وأتراحًا. وإليك، عزيزي القارئ، هذا الدليل:

كنت في الطائف أثناء واقعة احتلال المسجد الحرام على يد جماعة جهيمان العتيبي في مطلع عام 1400هـ ، أؤدي واجبًا عائليًا هناك، وقابلت أحد أخوال والدتي، شيخًا مسنًا من قبيلة طويرق (من بطون ثقيف)، فسألني إن كنت أنوي العودة إلى مكة في ذلك اليوم. وعندما أجبته بالإيجاب، أفادني بأنه يريد النزول معي، وأردف قائلًا إنه ينوي الذهاب إلى الحرم لمساعدة صديق قديم له، يعتقد يقينًا أنه محجوز داخل المسجد الحرام لأنه مِنْ حَمَام الحَرَم، على حد قوله. وعندما سألته عمن يكون هذا الصديق، قال إنه عبد الله بصنوي.

تصور، عزيزي القارئ، شيخ طاعن في السن من قبيلة طويرق في الطائف، يتكئ على عكاز، يُصِرُّ على النزول إلى مكة، مستعدًا للمخاطرة بحياته بدخول المسجد الحرام، لمساعدة صديقه العزيز عبد الله بصنوي، هذا في الوقت الذي كانت فيه الأزمة على أشدها، والقتال مستعر بين جماعة جهيمان وقوات الحكومة من الجيش والحرس الوطني والداخلية، والناس حول الحرم مستنفرون، لا يسمعون إلا أزيز الرصاص وهدير المدفعية.

ولم أستطع أن أثني الخال عن عزمه إلا عندما أبلغته بأن الشيخ عبد الله في قلب العافية في الحفظ والصون، ذلك لأنه ـ بصفة استثنائية ـ لم يحضر صلاة الفجر في المسجد الحرام في ذلك اليوم، يوم 1 محرم عام 1400هـ.

هذه الحقيقة مَعْلَمٌ في حياة الشيخ عبد الله بصنوي جدير بالتأمل مَلِيًّا، فالشيخ من بين الأشخاص القلائل الذين لا تفوتهم صلاة الفجر في الحرم يوميًا.  فلتتيقن الأجيال القادمة بأننا لا نتحدث من فراغ إذا شهدنا أن هذا الشيخ ملاحظ من فوق سبع سماوات.

وإليك تفاصيل نجاته من حادثة الحرم الرهيبة، كما سمعتها منه شخصيًا:

كان الشيخ في بيته مساء آخر يوم من أيام سنة 1399هـ، وقد تناول عشاءه، يستعد لأن يأوي إلى مهجعه. وإذا بطارق يأتيه ليخبره بأن هناك سوء تفاهم وقع بين بعض أفراد أسرته، وأن الأمر يحتاج إلى حضوره. فما كان منه إلا أن ارتدى ثيابه على عجالة، وذهب إلى حيث يقتضي الأمر وجوده. هناك أخذ يمارس ملكاته في الإصلاح بين الناس، وذلك جزء مما خلقه الله له. وبين الأخذ والرد، والقبول والرفض، انصرم الوقت، حتى إذا ما حل الهزع الأخير من الليل أذِن الله سبحانه لمهمته أن تُتَوَّج بالنجاح في رأب الصدع، وتوافق الفرقاء على ما وضعه من حل للإشكال، وانتهت الأزمة.

يقول نظرت في ساعتي حينئذ ووجدت أنه لم يتبق على أذان الفجر سوى ساعة وجزء من الساعة، وفكرت أن أظل بثيابي، على أن أرتاح لبرهة وأنا في مكاني أقرب إلى الجلوس مني إلى الاضطجاع، ثم أنزل إلى الحرم لأداء صلاة الفجر هناك. وما راعني بعد فترة ـ لم أشعر بها إلا هنيهة ـ إلا سماع صوت المكبر الصوتي في الحرم يقول: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله"، معلنًا انتهاء الصلاة، فقد أخذتني سِنَةٌ من النوم على غير مرادي.

يقول استغفرت ربي على غفلتي، وصليت في مكاني. في تلك الأثناء كانت بوابات الحرم تُغلَق، لينتشر أفراد جماعة جهيمان في الحرم الشريف حاملين أسلحتهم .. وتعيش مكة ومعها العالم الإسلامي برمته تلك الأحداث المروعة. (انتهى كلام الشيخ عبد الله بصنوي رحمه الله).

هذه الأحداث ربما يراها البعض مصادفة. ولكن أهل مكة كانوا يرون فيها رعاية ربانية، وحماية إلهية، قُدِّمَتا للشيخ الجليل الملاحظ من فوق سبع سماوات.

 عِلْمُه

كان الشيخ رحمه الله قد توقف عن الدراسة في الصف الرابع الابتدائي للأسباب التي أوضحناها آنفًا، ولكن تواصله مع العلم والعلماء لم ينقطع أبدًا، سواء أكان ذلك في حِلَقِ المسجد الحرام أم في المجالس الخاصة أم في بطون الكتب .. الأمر الذي كان يلمسه كل من يستمع إلى آرائه في بعض الأمور الفقهية، أو في التحليلات التاريخية، نقلًا أو استنباطًا أو استقراءً.

أذكر ـ أنا كاتب هذه السطور ـ أني كنت ذات مرة أجلس إلى جوار الشيخ الجليل في المسجد الحرام في مناسبة عقد قران ابن أحد النساك الصالحين من أهل المليبار (اسمه محمد كِتِّي)، فقال لي الشيخ عبد الله: "عجبًا لأسلوب تذكير القرآن الكريم للصحابة الكرام بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم"، وقرأ الآية الثانية في مطلع سورة  الحجرات: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ" .

وعلق قائلًا لي: "تأمل لو قارنت كيف يُعامَل مرتكب الكبائر بمن يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم. إنَّ على الأول (وهو مرتكب الكبائر) عقوبة حَدُّها معروفٌ، تُطَبَّق بشأنه، ولكن لا يحبط عمله، بل يظل سِجِلُّه من أعمال الخير والبر والطاعة كما هو لا يُمَسُّ. بينما من يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم يحبط عمله، أي لا يبقى له شيء في سجل أعماله من خيرٍ وبِرٍّ وطاعة .. مع العلم بأن المخاطب في هذه الآية هم من كانوا حوله من المؤمنين، وهم بدون أدنى شك صحابته الكرام". (انتهى تعليق الشيخ عبد الله بصنوي حول هذه الخاطرة).

وإذا كان الباحث عن هذه المسألة تحديدًا يحتاج إلى الرجوع إلى مظانِّها في أمهات كتب الفقه لمعرفة الحكم مناط الآية، وكتب التفسير للوقوف على ما ذكره أهل التأويل حولها، وكتب اللغة لاستيعاب مدلولات الألفاظ فيها، فإن من حق القارئ الكريم أن يعجب لما يلمسه من سعة أفق صاحب السيرة بحيث تجاوز المألوف من التأويل الذي تزخر به أمهات التفاسير، ليحاول سبر غور مسألة فقهية تفتَّق عنها ذهنه استقراءً، في حديث عابر حول الآية الكريمة. عندها ينبغي التسليم بأن هذه الظاهرة هي من ثمار التعليم الذي عايشه الشيخ عبد الله بصنوي في المسجد الحرام على مدى ثمانين عامًا، ومجالسته للعلماء، رحمه الله رحمةً واسعة.

مشاركته في الأعمال الخيرية

عُرِفَ عن صاحب السيرة ميله الفطري لإصلاح ذات البين، وكم سعى في ذلك الشأن بهمّة لا تكل ولا تمل، يحدوها الطمع في الأجر والمثوبة من المولى سبحانه، وتنهض بها مكانته بين الناس، والقبول الذي وضعه الله له في قلوبهم.

كما عُرِفَ عنه رحمه الله حبه لمساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف مع حفظ ماء وجه ذوي الحاجة. ومع توافق تلك الصفة مع معرفته الواسعة  بالعائلات التي تقطن حارة الشامية، وما هي ظروف كل منها الاقتصادية والاجتماعية، يضاف إلى ذلك ما حباه الله به من أمانة وورع وتقوى، كل ذلك جعل الموسرين من أهل الشامية وخارج نطاق ذلك الحي يثقون في توزيع صدقات وزكاة أموالهم عن طريقه بكل أريحية وتمام الاطمئنان. فتنطلق على يد هذا الشيخ الجليل مبالغ ضخمة لتصل لكل عائلة محتاجة في الحارة وهم في منازلهم، خصوصًا الأرامل واليتامى والأيامى والمنقطعين عن أقارب أو ذوي رحم.

ومن باب التحدث بنعمة الله، أستميح معالي الشيخ أحمد زكي يماني العذر في الإشادة بهذه العادة السنوية التي كانت تسري على يد الشيخ عبد الله بصنوي في أزقة حارة الشامية وشعابها، لتكفكف الدمع وتصون ماء الوجه وتُحيل الأحزان إلى بهجة والأتراح إلى فرحة. وفي ذلك يشكِّل الشيخان أحمد زكي يماني وعبد الله بصنوي نموذجًا نادرًا للتعاون على البر والتقوى، لُحْمَتُه الثقة المتبادلة بينهما، وسداه نزعة الخير والبر. والصورتان أدناه تُفْصِحان عن جانبٍ من هذه العلاقة الخيِّرة المتميزة بين الرجلين.

الصورة

 

https://www.makkawi.com/Uploads/All/basnoi2.JPG

هذا بالإضافة إلى ما كان ينفقه من حُرِّ ماله في سبل الخير والبر.

وفاته

كانت وفاة الشيخ عبد الله بصنوي حدثًا اهتزت له أم القرى من أقصاها إلى أقصاها، تحجرت إزاءه في المآقي الدمعة، والتاعت له القلوب الوالهة، واكتوت به الأكباد الحرّى ..

نعم .. كان يوم وفاته يومًا ذا خصائص متباينة، إذ هو في منظور محبي الشيخ من أيام مكة الحزينة، وذلك لفقده رحمه الله، ولكنه من منظور البشائر المتواترة عن أهل الصلاح، يوم سعيد لهذا الفقيد الذي أقبل على مولاه الذي صنعه وأعده لذلك السجل الحافل بالخير والعمل الصالح الذي قَدِمَ به إلى مثواه الأخير.

انتهت تلك الملحمة الرائعة من  حياته المديدة المفعمة بالأعمال المجيدة في لحظة مرت بسلام وسكينة .. أسلم الشيخ عبد الله الروح فيها يوم السبت 6 رجب عام 1412هـ وهو يؤدي الأذان، ولكن في غير وقته، وفي غير مكانه المألوف في المسجد الحرام.

كان الشيخ رحمه الله قد بدأ يشعر ببوادر ألم في معدته، وأشار عليه أحد أصحابه بمراجعة الدكتور محمود جميل عدس، وهو من أبناء مكة المكرمة وله عيادة في جدة. وبعد أن قام ابنه الدكتور محمد عبد الله بصنوي بترتيب الموعد انطلق به في ذلك اليوم إلى جدة، وفي طريقهم توقفوا عند مدرسة عرفات المتوسطة ليرافقهم الأستاذ محمد نور ساعاتي، بناءً على طلبه، فهو من محبي الشيخ عبد الله المقربين لديه. وذكر لنا مدير المدرسة، الأستاذ عبد العزيز حمزة هرساني، أنه هو وأساتذة المدرسة حين علموا بوصوله عند المدرسة نزلوا من المبنى للسلام عليه وهو في السيارة التي كانت ستقلُّه إلى جدة، وأخذوا يسلمون عليه وهو يرد عليهم بإيماءة من رأسه وبتعابير وجهه، لأنه كان يتلو وِرْدَه اليومي آنذاك.

ووصل الثلاثة إلى العيادة في جدة واستقبلهم الدكتور محمود عدس، وأخذ يتجاذب أطراف الحديث مع الشيخ عبد الله مع سؤاله عن شكواه، ومن بين ما تطرق إليه الحديث كان موضوع الأذان، فأطلق الشيخ عبد الله صوته بالأذان وهو جالس في عيادة الطبيب .. وفي تلك اللحظة قُبِضَتْ روحه رحمه الله، فجأة بدون أي مقدمات.

أما جنازته فقد كانت مهيبة، إذ تحركت من المسجد الحرام إلى مقبرة المعلاة محمولةً على أعناق عشرات الألوف من مشيِّعِيه الذين غصّت بهم جنبات المقبرة في مشهد غير مألوف، بين باكٍ ونائحٍ ومذهولٍ ومشدوهٍ. الكل يلهج بالدعاء له بالرحمة والمغفرة. وتجمع ذلك الحشد على القبر عند الدفن يتلون سورة يس، وبعد الدفن في المقبرة تزاحم الناس لتقديم العزاء الذي استغرق وقتًا طويلًا حتى انتهى. وظننا حينئذ أنه لم يبق أحد في مكة لم يأت للعزاء، ولكن كم فوجئنا عندما أقبل آلاف الناس للعزاء عند منزله طيلة الليالي الثلاث التي تلت الدفن بشكل يفوق الوصف، لدرجة أن صف العزاء كان يظل واقفًا باستمرار يتقبل التعازي، دون أن يجد فرصة للجلوس لحظةً واحدة.

واختتمت مراسم العزاء، كدأب أهل حاضرة الحجاز، باجتماع الناس في منزل المتوفى للغداء ظهر اليوم الثالث. وكان يومًا حافلًا امتلأت فيه الدار بطوابقها الأربعة بمحبي الشيخ وأهله وأقربائه، يتلون القرآن ويهبون ثوابه للمتوفى، ومن أولاده من تجمع لقراءة دعاء بر الوالدين بعد ختم المصحف، وجميع ذلك استمطارًا لرحمات الله على الفقيد والدعاء له بالفوز بالجنة والعتق من النار.

ولئن كانت بذلك قد طُويَتْ آخر صفحة من حياة الشيخ الحافلة، إلا أنها لم تُطْوَ في أفئدة الناس ووجدانهم، فقد ظلت ـ وسوف تبقى ـ مآثره في باطن الأديم الطاهر راسخة، وسيرته في كل المحافل دارجة، وذكراه في حنايا الصدور رابضة، تنبض في الوجدان خفقًا يُتَرْجَم إلى أفعالٍ تُحَاكِي تَرِكَتَه السلوكيّة، وإرْثَهُ الأخلاقيّ ..

وفي الختام فإني ـ والله شهيد على ما أقول ـ لم أسمع من كثير من محبي الشيخ الجليل في مجتمع مكة ـ بعد الترحُّم عليه ـ إلا الابتهال إلى الله بأن يُلْهِمَ ذريته أن يحافظوا على هذا المجد الذي صنعه ـ بتوفيق الله ـ والدهم العظيم، عَلَمُ مكة الوارِف، وطَوْدُها الشامخ .. وهم لا شك فاعلون، فهو قد أعقب من الذرية الصالحة مَنْ نفخر بهم كما كنا نفخر بوالدهم، رحمه الله، وهم:

  • هند عبد الله بصنوي.
  • الدكتور محمد عبد الله بصنوي عضو هيئة تدريس متقاعد بجامعة أم القرى، ورئيس نادي الوحدة بمكة سابقًا.
  • اللواء متقاعد عبد المعطي عبد الله بصنوي ضابط بوزارة الداخلية.
  • الشيخ أحمد عبد الله بصنوي عمدة حارة الشامية بعد والده والمؤذن بالمسجد الحرام بعد والده أيضًا.
  • العميد متقاعد عدنان عبد الله بصنوي ضابط بوزارة الداخلية.
  • إيمان عبد الله بصنوي معلمة.         

بقلم : أ.د. أمين بن محمد صالح  كشميري | تم النشر في 26 ربيع الاول 1448هـ