في وداع أبي أحمد الشيخ المؤذن ابراهيم مدني

في وداع أبي أحمد 
الشيخ المؤذن / ابراهيم مدني 

كان شيخي، وأخي، وصديقي، وحبيبي .. 
الشيخ إبراهيم بن عادل مدني، رحمه الله رحمة واسعة
كان عزيزًا على قلبي عزة لا اقدر لها على وصف .. 
قريبًا من النفس قرب الأخ، ودودًا، محبًا، ناصحًا، أمينًا.. 
طيب القلب، بشوش المحيا، خفيف الظل، جميل الصحبة
عرفته عن قرب،  فقد كنت ألتقيه كثيرًا، ونسامر بعضنا بعضًا ليالي طويلة، نتحدث ونضحك ونتذاكر، وكان في حديثه دائمًا شيء من القرآن، وذكر الله، وحب بيت الله الحرام، وحب رسول الله وحب مكة والمدينة ومآثرهما ..
لم أكن أظن أن تلك المجالس التي اعتدناها ستصبح يومًا من الذكريات التي أعصر قلبي لأستحضر تفاصيلها .. 
نشأ الشيخ إبراهيم وترعرع في المدينة المنورة، في بيئة دينية كان للقرآن الكريم فيها حضور كبير في حياته، وكان لجده من جهة والدته -وكان حافظًا لكتاب الله- أثر كبير في نشأته وتأثره بالقرآن والأذان ..
بدأ مسيرته مع الأذان وهو في الخامسة عشرة من عمره، في مسجد حيه بالمدينة المنورة، وكان يتناوب رفع الأذان مع ثلاثة من جيرانه، واستمر على ذلك حتى تخرجه من الكلية ..
ثم حالت ظروف عمله في مجال التدريس، وانتقاله للعمل خارج المدينة المنورة، بينه وبين الأذان، فانقطع عنه نحو سبع سنوات ..
لكن الأذان بقي حاضرًا في حياته ..
وفي عام 1428هـ، طُلب منه رفع الأذان في أحد مساجد المدينة المنورة، فعاد إلى ما أحبه، واستمر في ذلك حتى أكرمه الله سبحانه وتعالى بالانتقال إلى الأذان في المسجد الحرام ..
وفي غرة شهر رمضان المبارك عام 1439هـ، صدر القرار الكريم بتعيينه مؤذنًا للمسجد الحرام، فانتقل إلى مكة المكرمة ،  وقضى في خدمة بيت الله الحرام نحو ثماني سنوات وأربعة أشهر ..
ثماني سنوات وأكثر، وهو يرفع النداء من أطهر بقاع الأرض ..
وحين سئل عن شعوره بعد أول أذان له في المسجد الحرام، قال:
«أنا مين عشان يترفع صوتي في الحرم؟»
وكانت هذه العبارة، على بساطتها، تختصر كثيرًا من تواضعه وشعوره بعظم المكان والمسؤولية ..
وعُرف الشيخ إبراهيم بسمو الخلق، وجمال الأدب، وحب الخير والدعوة إليه، والنصح بالحسنى، وتحبـيب الناس في حب الله ورسوله ﷺ.
وكان شديد التعلق بمكة المكرمة، كثير الحديث عن فضائلها ومحاسنها، يتحدث عنها في مجالسه، ويشارك ما يحبه من أخبارها وفضائلها عبر حالات الواتساب ..
وكان يحب المآثر النبوية والتاريخية، ويذهب في رحلات مختلفة لتتبع خطى الحبيب ﷺ، وكانت مكة والمدينة وما ارتبط بهما من السيرة النبوية حاضرة في حديثه واهتمامه ..
ومن جميل ما عُرف عنه، ما نقله نسيبه الشيخ مؤذن الحرم المكي الشريف / أحمد يونس خوجة، أنه كان إذا خرج من المسجد الحرام وأبصر أحد المارة ممن يحتاج إلى توصيله، أركبه معه وأوصله إلى مكانه، ابتغاء ما عند الله وإعانةً للناس ..
وكان رحمه الله حريصًا على إجابة الدعوات، وعلى مشاركة الناس أفراحهم قبل أتراحهم، حاضرًا بينهم، قريبًا منهم، لا يتأخر عن محب ولا يقطع وصلاً ..
دعوته مرة إلى العشاء، فأجاب دعوتي .. 
ثم دعوته إلى إفطار الوالد الرمضاني السنوي، فأجاب ولبى النداء وأسعدنا بالحضور ..  
ثم دعاني هو فأجبت دعوته ..
وكانت بيننا مواعيد ومجالس وأحاديث كثيرة، ولم أكن أعلم أن بعضها سيصبح يومًا من أثمن ما أحتفظ به من الذكريات.
وكان رحمه الله كثيرًا ما يدعو الله، وفي معنى دعائه، أن يبقيه مؤذنًا في بيت الله الحرام ما بقي من عمره، وألا يقطعه عن الأذان .. 
وحين اشتد عليه المرض، كان يطلب من محبيه أن يدعوا له بالشفاء، وأن يبقيه الله في المسجد الحرام مؤذنًا ..
والحمد لله، كان له ما تمنى .. 
أكرمه الله بما أحب، وأبقاه في بيته، ينادي الناس إلى الصلاة، حتى وافاه الأجل ..
فرحم الله رجلًا كانت طيبة بدايته ، وكانت مكة خاتمته ..
تواصلت معه قبل وفاته لأجل زيارته، فطلب مني الدعاء له بالشفاء، وأخبرني أنه يسير على خطة علاجية بالمستشفى ، ثم عاد إلى بيته بفضل الله ..
وكنا سنحدد قريبًا موعدًا أزوره فيه  بمنزله .. 
وكان ذلك الموعد المنتظر…
لكن الموعد لم يأتِ .. 
كانت آخر مرة دعوته فيها للقاء، فاعتذر بسبب ظروف المرض، وكانت تلك أول مرة نحدد فيها موعدًا فلا يتم ..
ولم أكن أعلم أنها ستكون آخر دعوة بيننا ..
فقد اختار الله له موعدًا آخر، لا نستطيع تأجيله، ولا نملك أمامه إلا التسليم والرضا، وأن نقول:
إنا لله وإنا إليه راجعون ..
علاقتي بالشيخ ابراهيم أحتسبها عند الله تعالى ، اثنان تحابا في الله ، اجتمعا على المحبة ، وعليها نفترق في الدنيا ، والملتقى تحت ظل العرش إن شاء الله ..
يا أبا أحمد…
ما أقسى أن تمر الأيام ولا يكون فيها لقاء، ولا يسمع فيها صوت من أحببنا، ولا تجتمع بنا المجالس التي اعتدناها ..
ما أقسى أن يصبح الحديث الذي كان عابرًا، والضحكة التي كانت عادية، والمجلس الذي كنا نظنه يتكرر، من أثمن الذكريات التي نحاول استعادتها اليوم ..
ما أقسى أن يكون الإنسان قد اعتاد وجود شخص في حياته، ثم يصبح البحث عنه في الذاكرة هو السبيل الوحيد للقائه ..
كنا نظن أن هناك لقاءً آخر، ومجلسًا آخر، وحديثًا آخر…
فإذا بالحقيقة أن الموعد الأخير كان أقرب مما نظن ..
رحم الله أبا أحمد.
رحم الله وجهه الطيب، وقلبه الطيب، وروحه التي أحبها كل من عرف ..
رحم الله الشيخ الذي أحب القرآن وأهل القرآن، وأحب بيت الله، وأحب الأذان، وأحب مكة، وأحب الناس فأحبوه ..
اللهم إن إبراهيم عبدك، قد خرج من الدنيا وليس لنا عليه إلا المحبة والدعاء .. 
فاللهم اجعل محبتنا ومحبة الناس شاهدة له، وارفع بها درجته عندك .. 
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وآنس وحشته، ونور قبره، واجعله روضة من رياض الجنة ..
اللهم اجزه عن أذانه في بيتك الحرام خير الجزاء، واجعل كل أذان رفعه، وكل آية قرأها، وكل خير دعا إليه، وكل نصيحة قدمها، وكل إنسان أعانه، وكل قلب قرّبه من طاعتك، شاهدًا له يوم يلقاك ..
اللهم كما حققت له أمنيته، فأبقيته مؤذنًا في بيتك الحرام حتى وفاته، فأكرمه عند لقائك بما تقر به عينه، وكماجعلت آخر عهده بالدنيا قريبًا من البيت الذي أحب، والأذان الذي أحب ، فاجعله قريبا من حبيبك ورسولك سيدنا محمد ﷺ 
اللهم اربط على قلوب أهله ومحبيه، واربط على قلوبنا، وألهمنا الصبر والسلوان، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده
واجمعنا به بدار كرامتك إخوانا على سرر متقابلين ..
رحم الله الشيخ إبراهيم بن عادل مدني، ورحم أيامه ومجالسه، وصوته وابتسامته، وكل ذكرى جميلة تركها في قلوب من عرفوه ..
كان يُظن أن هناك موعدًا آخر…

فسبق الموت كل المواعيد. ..

أسأل الله أن يجمعنا به في دار لا فراق فيها، وأن يجعل ما بيننا من محبة خالصة للوجهه الكريم وسببًا للقاء أبدي لا ينتهي .. 
إنا لله وإنا إليه راجعون .. 

عبدالعزيز بن محمد بخش 
مكة المكرمة 
١٠ / ٤ / ١٤٤٨ هـ