لا تكن لينًا فتعصر … ولا قاسيًا فتكسر

لا تكن لينًا فتعصر … ولا قاسيًا فتكسر

درس من أبي … ومنهج حياة

هناك كلمات تمر في حياتنا عابرة كنسمةٍ لطيفة وهناك كلمات أخرى تستقر في أعماق الروح حتى تصبح بوصلة تهدي المسير ومن تلك الكلمات التي ما زالت تتردد في وجداني كلما واجهت موقفًا أو اتخذت قرارًا أو خضت تفاوضًا أو تعاملت مع الناس المثل الذي كان يردده والدي الشيخ إبراهيم أحمد أزهـر رحمه الله:

“لا تكن لينًا فتعصر … ولا قاسيًا فتكسر”

لم يكن أبي رحمه الله يردد هذه العبارة على سبيل الحكمة المجردة بل كان يعيشها سلوكًا وممارسة ومنهجًا متكاملًا في حياته اليومية. كان يرى أن الحياة لا تستقيم بالإفراط ولا بالتفريط وأن الإنسان الناجح هو الذي يعرف متى يكون لينًا ومتى يكون حازمًا ومتى يفتح قلبه للناس ومتى يحفظ هيبته وحقوقه.

كبرنا ونحن نراه يجسد هذا المبدأ في كل تفاصيل حياته: في بيته وفي عمله وفي خدمة ضيوف الرحمن وفي علاقاته الاجتماعية الواسعة التي امتدت عبر أجيال. لم يكن ضعيفًا فيتنازل عن الحق ولم يكن متجبرًا فيكسر الخواطر. كان يملك ذلك التوازن النادر الذي يجعل الناس تحبه وتحترمه في آنٍ واحد.

لقد علمنا أن اللين الجميل ليس ضعفًا بل قوةٌ يزينها الخلق الكريم. وأن الحزم المحمود ليس قسوة بل عدل تحرسه الحكمة. فالإنسان الذي يفرط في اللين قد يجد نفسه مستنزفًا تهدر حقوقه وتستغل طيبته ويساء فهم حسن نيته. وفي المقابل فإن من يبالغ في الشدة والقسوة قد يخسر القلوب ويهدم الجسور ويصنع حوله جدرانًا من النفور والوحشة.

وفي العلاقات الإنسانية كان أبي رحمه الله يؤمن أن الناس لا يحتاجون دائمًا إلى من ينتصر عليهم بل إلى من يفهمهم. وكان يقول بلسان حاله إن الاحترام يكتسب بالحكمة قبل القوة وأن الكلمة الطيبة تفتح من الأبواب ما تعجز عنه الأوامر الصارمة.

أما في عالم المال والأعمال فقد أدركت مع مرور السنوات عمق هذه الحكمة أكثر فأكثر. فالتفاوض الناجح ليس استسلامًا للآخرين كما أنه ليس معركة لإخضاعهم. إنه فن الوصول إلى حلولٍ تحفظ المصالح وتصون العلاقات. فالمفاوض الذي يتنازل عن كل شيء يخسر حقوقه والذي يتشبث بكل شيء يخسر شركاءه. أما من يوازن بين المرونة والثبات فإنه يحقق المكاسب ويحافظ على الاحترام المتبادل.

ولعل من أعظم ما تعلمته من والدي أن القيم والأخلاق ليست شعاراتٍ ترفع بل ممارسات تُعاش. فالصدق والعدل والوفاء والرحمة والحكمة وحسن التقدير للناس كلها كانت جزءًا من شخصيته التي أثرت في كل من عرفه. وما زلت أرى آثار تلك التربية المباركة في أبنائه وأحفاده وكل من نهل من مدرسته الإنسانية الراقية.

رحمك الله يا أبي …
لقد كنت لنا مدرسة قبل أن تكون أبًا وقدوة قبل أن تكون موجهًا. غرست فينا مبادئ ما زالت تنير دروبنا كلما اشتدت علينا منعطفات الحياة. علمتنا أن الكرامة لا تعني التعالي وأن التواضع لا يعني التنازل وأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على تحقيق التوازن بين القلب والعقل وبين الرحمة والحزم وبين العفو والإنصاف.

واليوم كلما مررت بموقفٍ يحتاج إلى قرارٍ حكيم أو علاقةٍ تحتاج إلى إصلاح أو تفاوضٍ يحتاج إلى بصيرة أسمع صوتك يتردد في أعماقي:
“لا تكن لينًا فتعصر … ولا قاسيًا فتكسر”

فأبتسم وأدعو لك بالرحمة وأدرك أن بعض الآباء يرحلون بأجسادهم لكن مبادئهم تبقى حيّة في أبنائهم ما بقيت الحياة.

رحم الله والدي الشيخ إبراهيم أحمد أزهـر رحمة واسعة وجزاه عنا خير الجزاء فقد ترك لنا إرثًا من القيم والأخلاق أعظم من كل ميراث، وسيبقى أثره الطيب ما بقيت هذه المبادئ تنبض في حياتنا وسلوكنا وتعاملاتنا مع الناس.