المسفلة التي أبكتني

المسفلة التي أبكتني 
أحمد صالح حلبي 

حينما تلقيت دعوة حضور حفل تدشين كتاب ( المسفلة ... تاريخ وعراقة ) ، لمؤلفه أسامة بن محمد آل عزالدين الرسي الهاشمي ، وقفت متأملا ذكريات الماضي الجميل للأحياء  القديمة بمكة المكرمة خاصة حي المسفلة الذي نشأت وترعرعت به ، فهو وإن كان يمثل واحدا من الأحياء القديمة والأماكن التراثية  ، فإنه يحمل عبق الماضي الجميل ويروي ذكرياته التي لا يمكن محوها .

وقبل أن تأخذني الذكريات صوب أزقة الحي وبيوته ، وجدت أن من الواجب الشكر والتقدير لصاحب فكرة الكتاب المهندس الشريف محمد آل زيد ، الذي عرف بحبه لمكة المكرمة وحرصه الشديد على توثيق أحيائها وتاريخها وحرف أهلها وتجارتها وبيوتها . 
 
أما الكتاب فإن تناول شخصيات ـ مسفلاوية ـ بين صفحاته فإن حفله مكنني من الالتقاء بشخصيات لعبت دورا بارزا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية بمكة المكرمة عامة وحي المسفلة خاصة  ، فتذكرت حينها والدي ـ يرحمه الله ـ وهو يسمك بيدي متجها صوب دكان جدي ، كما تذكرته  وهو يصطحبني معه  نحو المنشية ــ سوق الخضار واللحوم ـ ، ليس لأحمل ما يشتريه بل لأتعلم كيف اشتري .
 
ولم تكن هذه الذكريات مجرد حنين عابر يذكرني بالماضي ، لكنها ذكريات جعلتني أنشد قول الشاعر : 
ذكرى يعود إلى الفؤاد حنينها 
دومًا إذا ذاق الفؤاد بآهات
 زمن تولى من ربيع حياتنا
 في ظله ما أجمل الأوقات
 نلهو ونمرح والسعادة عندنا 
ما أصدق البسمات والضحكات
أما الوفاء الذي وجدته لدى أبناء الحي فذكرني بقول الأصمعي: (إذا أردتَ أن تعرف وفاء الرجل ووفاء عهده، فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وتشوُّقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه).
والحديث عن حي المسفلة لا يذكرنا بالحنين إلى الحى القديم، لكنه يذكرنا بقسوة العيش ، وجميل العشرة والجيران ، فمن شارع مسيال الهرساني حتى بركة ماجن ، ومن أول زقاق السقيفة حتى الكعكية ، لا تنتشر دكاكين تجارية على الجانبين ، بل توجد ألفت ومحبة بين الجيران ، لا حسد بينهم ولا ضغينة ، ولا كره أو عداوة ، فالعم رجب سوبيا ـ يرحمه الله ـ ، لم يكن تاجرا في دكانه ، بل قاضيا لحاجات الناس ، والسعي لإصلاح ذات البين ، ومساعدة الفقراء والمحتاجين من ايتام وأرامل ، حتى أطلق عليه أبو الأرامل  والايتام ، وغيره كثيرون يصعب حصرهم في مساحة محدودة ودقائق معدودة  . 

وقبل الختام أقول إن ذكرياتنا الجميلة لا تموت بل تنبض بأرواحِنا ، وتذكرنا بطفولتنا وشبابنا ، وتنقلنا من أيام مضت لأيام نعيشها ، ليس بكلمات ندونها ، ولا رسوم ننقشها ، بل بشريط ذكريات يوقظ الإحساس ويحرك المشاعر ويدمع العين على جمال الماضي  فشكرا لمن دعاني ، ومن ساهم ونظم حفل كتاب ( المسفلة  ... تاريخ وعراقة ) ، وسامحهم الله فقد أبكوني على ماض جميل غدا .